عن هروبنا الجمعي إلى عالم البردوني

يمن دايز - بلقيس

هل التنقّل ضروري من أجل الإحساس، من أجل الرؤية. 

أيهما أهم: العيون الخارجية، أم الداخلية (البصيرة)؟

خطر في بالي هذا السؤال، وأنا أتنقّل من صفحة إلى أخرى في دواوين البردوني، التي أُعيد تأمّلها وقراءة بعضها في ذكرى رحيله. 

تعجّ دواوين البردوني بمئات الأسماء كأنّها خرائط لليمن. مدن وقرى، مناطق وقبائل، كُنيات وألقاب، مناطق وجِهات، أغاني ومهاجل، أعلام وفنانين، أمثال وعادات وشخصيات تاريخية. 

كل تفاصيل اليمن بين أغلفة دواوين شاعر لم ينتقل يوما من حاجز "عينيه" إلى ما تحجبه أمامها. 

البصيرة هي ما ترى لا العين. 

كثيرون هم من يذهبون إلى كل مكان في اليمن، دون أن "يروا" شيئاً أمامهم. 

يسافرون ويتنقلون كثيراً، ويعودون كما يذهبون، دون أن تلتقط عيونهم شيئاً لتراه. يحدث أن يتنقل المرء، ويعود إلى مكانه بقلب ميّت بقي محتجزاً داخل صندوق جسد عبر إلى كل مكان، دون أن يرى منها ملمحاً واحداً. 

في دواخلنا -نحن- تمتلك الرؤية أبعادها. من هنا، رأى البردوني اليمن كلها، كما لم يرها أحدٌ غيره من "المُفَتِحين". رآها جغرافية وتاريخا وأحاسيس، رآها بكل معانيها وأبعادها. 

هذا ما يجعل البردوني، دون سواه، الأكثر ذِكراً في أفواه اليمنيين وحياتهم، بعد أكثر من عقدين على رحيله. 

كلّما مضى عام آخر على رحيله، يكبر البردوني ويزداد الاحتفاء به وإحياء ذكراه. في سنوات المأساة والهزيمة والحرب يلجأ اليمنيون إلى الاعتصام بالرموز  الثقافية والوطنية والأخلاقية، وعبدالله البردوني يأتي في مقدّمة هذه الرموز، وفِي ربوة عالية تكاد تكون الأكثر علواً وإكتمالاً. 

تُوفي روح اليمن الكبرى في القرن العشرين، في الثلاثين من هذا الشهر (أغسطس)، في العام 1999. 

وبحلول يوم غدٍ الاثنين، سيكمل البردوني 21 عاماً من الغياب. الغياب الذي يتقوّض معناه عندما يتعلّق الأمر بشاعر وأديب ومفكِّر كعبدالله البردوني الذي يزداد حضوراً كل يوم، في غيابه. 

لا زال البردوني، وسيبقى،  يهزم الموت كل عام في ذكرى رحيله، بهذا الحضور الهائل الذي لم يبهت مع مرور الزمن، وإنما يزداد ألقاً وتجدداً.  

يهزم البردوني الموت بمنجزه الشعري والأدبي، وكتبه وكتاباته التي تركها لتحيا من بعده. 

نتذكّره اليوم كأيقونة في وجه الهزيمة والزيف، والزبد الطافي على السطح. 

نتذكّر الذي صبغ حياة اليمن المعاصر بلونه ونكهته، وقهقهته التلقائية، وأشعاره التي شكّلت صورة اليمن، وبعثتها من أضابير التاريخ، والسير الشعبية، والأماكن، والوديان، والجبال، وكفاح اليمنيين من أجل الحياة، وأنفاسهم المنحوتة على المُدرجات الجبلية والوديان والسهول. 

كان البردوني الحاضر / الغائب مع اليمن واليمنيين منذ اليوم التالي لرحيله، وزاد الحنين لقصائده وأشعاره وسيرته وكتبه في سنوات الثورة والحرب، وسيبقى كذلك بمنجزه الإبداعي والقِيم التي جسّدها طوال أكثر من نصف قرن.

 

في سنوات الحرب والهزائم، وتغول الداخل والخارج على اليمن واليمنيين، نستحضر البردوني كملاذ. نعود إليه محاوراً دائماً غير مرئي لنا كيمنيين، كما لو أنه «ضميرنا» الأكثر التصاقاً بنا، نستحضره، ومنه نتعلّم كيف يتحول «العمى» المفترض فيه أن يكون بؤساً وشقاءً دائمين؛ يتحول إلى حافز يدفع إلى الاهتمام بما هو أبعد من مجرد الأناني. 

كان هذا هو الدرس الأول الذي جسّده عبدالله البردوني، الذي حوّل «عماه» إلى دافع للحَفْرْ في أعماق الذات من أجل خلق متّسع رؤية للجميع، هناك في أقاصي ذاته العميقة، حيث تحوّلت ذاته إلى مرآة تعكس كل المشهد الإنساني، ونافذة يطل منها اليمنيون على الأفق الواسع، والمشهد المتعدد، وقد تساقطت منه الأقنعة والرتوش والوجوه المستعارة. 

البردوني هو الضمير الجمعي لليمنيين. استمر نصف قرن بموقف متّسق حيوي ومتجدد، موقف قِيمي وإنساني ووطني، لم تتمكّن منه الحياة كآلة إنهاك دائم، ولا الحُكام كآلة بوليسية تنفُر من استقلالية المثقّف الشاعر المبدع، وحريته، وتفكيره الخارج عن مجالها المغناطيسي، وتتوجس منها كخطر داهم يهدد وجودها. 

البردوني عالم قائم بذاته لم يرقَ أحد في الوصول إليه ومجاراته فيه، حتى أغلبية من يرفعون اسمه كعنوان، ويتمسّحون بسيرته وأشعاره، وليس فقط من ذهبوا في وادٍ غير وادي البردوني؛ وادي السلطة المهيمنة وشخوصها وامتيازاتها؛ وادي ذواتهم المتضخمة وليس وادي الوطنية اليمنية والانتماء للحرية كملاذ دائم؛ وهو الوادي الذي مثّل البردوني عنوانه وتجسيده الواقعي الملموس بشخصه، وسيرته، ومنجزه الشعري والنثري، ومجمل مواقفه الناقدة للسياسي والسلطوي بكافة مسمياته المتعاقبة. 

كان «ديوانه» أشبه بعدد الصحيفة الشعبية التي ينتظرها الجمهور، ولكنها صحيفة حياتهم هنا، صحيفة حياتهم التي تحاول أن تُكَوِنْ رؤية بواسطة الشعر بقدر ما تقدم حصيلة موجزة ورفيعة للفترة الفاصلة بين ديوانين، حصيلة تضيء الداخل والخارج. تستحضر الأحداث العامة الظاهرة على أرضية الذات النفسية لليمني، والصورة التي تتكون في ذهنه وتبوح بها وطنيته وانتماؤه وإحساسه بالخارج، بمعيار هذا الهيام والطموح الذي بزغ وتفتح في شباب اليمن.. يمن الثورة والجمهورية في الستينات والسبعينات. 

إذا جاء ديوان البردوني بعد أحداث كبرى فلا يمر بجانبها مختزلاً تأثيرها ووقعها بالاستيهامات الذاتية الغامضة، بل بالتناول الفني الصريح والعميق بالأسلوب نفسه. 

كان حزب الحركة الوطنية اليمنية، وعنوان نشاطها العلني، بقدر ما كان النتاج الأرقى للذات اليمنية، متشكلاً في صيغة فن الشعر والنثر السياسي، والتناولات التاريخية الموسّعة، والإلمام بالأسماء والأماكن والمناطق والأحداث والسرديات الفنية، وتوظيفها كلها في سياقه؛ أشعاراً ونثراً وكتابات أدبية ومقابلات صحفية.  

لقد كتب بالشعر العمودي المقفّى أفضل مما كتبه الآخرون بالتفعيلة والقصيدة النثرية؛ أفضل هنا بكل المقاييس، ابتداءً من التعبير عن الإنسان اليمني في زمنه وصولاً إلى اكتمال منجزه الشعري، ونحت اسم البردوني كفن قائم بذاته، فن ينطوي على الشعر والنثر والموقف والوطنية اليمنية، التي تتداخل مع كل قصيدة، وكل كتابة، وكل حضور للبردوني. 

في ذكرى رحيل البردوني، وفي مثل هكذا وضع بائس وجحيمي، انتصبت فيه أمام اليمن أشباح الماضي في الداخل وغيلان الجوار من الخارج، كلها دفعة واحدة، يكون من حقنا كيمنيين أن يعترينا حنين استثنائي ليمني أصيل وكبير ضرب لنا مثلاً ومضى. 

حنين إلى المثقف الشاعر الموقف، المؤرّخ الذي لم تحتوِه سلطة ولم يتسع له إنتماء غير الانتماء لليمن. حنين إلى البردوني الذي لم تأسره «الصالونات السياسية والثقافية»، والمقايل المكيّفة، والمكاتب الخشبية المحنّطة، ولم تحتوِه «الشلل» الحزبية «الممغنطة».. حنين إلى البردوني صوتنا، وضميرنا الذي عاش عمراً كاملاً في مقارعة الزيف بكافة أشكاله وألوانه.

حنين إلى من عاش حياته كتجسيد مكثّف لما يمكن أن يفعله المرء، وقد سكنت فيه روح اليمن الكبرى. الروح التي استوت في نبضه يمناً كاملاً ووصلت إلى أحد مدياتها القصوى في القرن العشرين. 

حنين إلى من تعلّمنا منه أن اليمن أكبر من الموت والهزائم والمآسي: 

وَفِـــي أَسَــى مُـقْـلَتَيْهَا يَـغْـتَلِي «يَـمَـنٌ»

ثَــــانٍ كَــحُـلْـمِ الــصِّـبَـا... يَــنْـأَى وَيَـقْـتَـرِبُ

مقالات الكاتب