مزين و قبيلي و هاشمي

يمن دايز - خاص

ركب صَيّاد إبن خادم القرية سيارة الأجرة للسفر إلى صنعاء مقهوراً ، وذلك بعد أن حصل على منحة دراسية من ضمن الاوائل على محافظته، فاستغل الشيخ نفوذه لكي لا يتعلم صَيّاد ، متعللاً بأنه :" ان تعلم ابن خادم القرية فعلى من و بمن بايتمشيخ الشيخ " .. ولإخراج صياد من حالة الاحباط التي حلت به ، توسط أبوصيّاد عند الشيخ كي يسمح لصياد بالذهاب إلى صنعاء لتعلم العزف على العود و الضرب على المرفع ؛ لأنه لا يوجد من يعمل عليهما في المنطقة فوافق الشيخ بسرعة..

ظل صيّاد صامتاً طوال الرحلة، ودمعة القهر تسقط بين الحين و الاخر على خديه ، ظل يتأمل الجبال و المزارع ، يفكر كيف سيحتال على فكرة تعلم العزف على العود..حدث نفسه :

- هل سارجع عازف على العود وضارب للطاسة من شان يهينوني و يستنقصوا مني كما يفعلوا مع أبي..

- لا والله ما يكون هذا..

- لابد من فكرة لكي استطيع التخلص منهم وعدم الرجوع الى البلاد..

- الغربة.. نعم الغربة و لا شي غيرها..

- لكن كيف الغربة و إلى اين؟

- مابلا هي.. غربة عند في بلاد الكفار، من شان ما يقدروا حتى يلاقوني..

- إذن لابد ما اتعلم اللغة الإنجليزية حتى أجد مخرج..

اقنع صياد أباه بأن مصاريف دراسة العزف على العود وتعلم الضرب على المرافع ستكلف مبلغاً كبيراً ، و هو لا يهم على أبيه، لأن الشيخ سيتكفل بالدفع ، كان يأخذ المال الذي يأتيه من أبيه مع سائق الاجرة و يقسمه ثلاثة أقسام ، ثلث لمصروفة ، ثلث لرسوم دراسة الانجليزي، و ثلث يتم توفيرة لمصاريف السفر الذي يعتزمه..

درس صيّاد الانجليزية حتى اتقنها، كان أحد اساتذته معجب بذكاءه و اجتهاده ، و يوماً من أيام التدريب على التحدث بالانجليزية حكى أمام استاذه قصته بكل جرأه ، فازداد إعجاب الاستاذ به ، فقرر مساعدته ، و أخبره بأن هناك جامعة أمريكية تعرض منحة دراسية متكاملة و أنه لا ينقصه من شروطها شيء ، قام الأستاذ بمراسلة الجامعة ، وبعد شهر اتصل فريق من الجامعة و اجروا مقابلة تلفونية مع صيّاد و تم قبوله ، ثم ذهب لإكمال إجراءات السفر في السفارة الأمريكية ، و تم اعطاءه وعداً للتأشيرة خلال عشرين يوماً ..

استغل صياد تلك الفترة للرجوع إلى قريته للاطمئنان على والديه و وداعهما مع صديقيه العزيزين عزي ابن الشيخ و هاشم ابن السيد ، وصل القرية بعد سنة من الغياب للدراسة ، استقبله أباه بحفاوة ، ذهب ليلاً إلى المكان الذي اعتاد السمر فيه مع صاحبيه ، عند '' صخرة الجن " التي كتبت عليها اسماؤهم عليها بخط كبير ، يسمرون و يتنادمون و الصخرة تحميهم من الريح.. وجدهما كما توقع، تحاضنا و كان لقاءاً عاطفياً بامتياز ، وبعد استعادة الذكريات و الضحك..

صياد : عزي ، هاشم انا قررت اغترب ، بس لا تكلموا أحد ، وإنما جيت اودعكم..

هاشم : و تفلت بلدك ووطنك..

صياد : أي وطن ، الوطن وهم كبير ، و الوطنية أكبر كذبة تم استعبادنا بها..حتى أصبح الوطن صنم و سدنته كبارات البلد و نحن نقدم القرابين لهم لا له..

عزي : طيب وأهلك و ناسك واحنا..

صياد : تشتيني اجلس من شان لما تقع الشيخ ارجع خادمك - يحتضن عزي و يضحك - اشتي أحس ان أنا إنسان في بلاد ما يعرفوا غير انسانيتي فلا ينتقصوا منها..

عزي : ولا عمرنا بننتقص منك يارجال احنا..

يقاطعه صياد : إحنا أصحاب وعلى كل حال ، وحتى نظل أصحاب لابد ما أسافر، لأن المجتمع و اعتباراته أقوى من صداقتنا..

هاشم : لا تشعر بالنقص يا صياد ، أبي قال لي مرة : ان الذي يشعر بالنقص يظل ناقص..

صياد : أنا اشعر بالنقص وغير راضي عن النقص هذا الذي انتم صنعتوه لي ، و هارب منكم على شان ارمم هذا النقص ، لكن المشكلة فيكم..

هاشم و عزي بدهشة : ايش من مشكلة فينا ؟..

صياد : النفخة الكذابة اللي بتنفخوا بها أنفسكم و تضعوا انفسكم فوق ما ربي خلقها ، بيجي عليكم يوم قد تقدروا تملوا الفراغ حولكم ولكن ما بتقدروا تملوا الفراغ داخلكم بسبب نفختكم الكذابة اللي ابسط شي ممكن يقرحها..

انتهت سهرتهم و ذهب كل واحد إلى بيته ، ودخل صياد البيت فيجد اباه ينتظره..

أبو صياد : الشيخ قال يشتيك بكرة تسمعه العزف على العود الذي تعلمته ..

صياد : و هل شي معه عود..؟

أبو صياد باستغراب : لا..

صياد : وفي أين باعزف له العود ، قله يجيب فلوس امشي اشتري عود و طاسة و نرجع نعزف له..

أبو صياد : الآن امشي له في هذا الليل ، من شان أنت تتحرك الصباح و تشتري العود و الطاسة..

في الصباح وقف صياد و أباه عند الطريق بانتظار سيارة الأجرة ، أقبل عزي وهاشم فكانوا يعانقوا صياد بحرارة ، يتابعهم أبو صياد باستغراب و يقول : مالكم تتسالموا هكذا ،كلها اسبوع ورجع يأنسنا أنا فداله..

عانق صياد أباه بحرارة و بكى ، استغرب أبوه و هو لا يعلم أنه يودعه وداع مفارق سيسافر لفترة طويلة لا يعلم معها هل سيراه مرة أخرى أم لا؟! ..

ركب صياد سيارة الأجرة ، يلتفت الى أبيه و يلوح له بيد و الأخرى تمسح الدموع.. ما إن وصل إلى صنعاء حتى استقبله أستاذه وفي يده الجواز و التأشيرة جاهزة ، قام باستبدال ما تبقى معه من المال بالدولارات و طار ليلاً إلى اميركا..

وصل اميركا، تحط به رحاله في مدينة نيويورك حيث عاش و درس الاقتصاد البحت و أخذ البكالوريوس من جامعتها ، ثم رشحته الجامعة للماجستير و الدكتوراة ، و خلال دراسته الماجستير بدء العمل ، حيث استقطبته إحدى الشركات المالية للعمل لديها كمستشار مالي في وول ستريت.. بدء يجني بعدها الكثير و الكثير من المال..

اجرى صيّاد أول اتصال بأبيه ، فرح أباه كثيراً لأنه لايزال على قيد الحياة ، حيث لم تبعد عنهم التكهنات بموته إلا تطمينات هاشم وعزي أنه أخبرهما بعزمه على الاغتراب.. أخبر صياد أباه أن لديه الكثير من المال و سيحول له مبلغاً للعيش بكرامة، وأنه عما قريب سيشتري له بيتاً في صنعاء ليعيش فيه..

خرج أبو صياد و أخبر الجميع بالخبر ، كان يتباهى بابنه صياد أنه قال سيبني له بيتاً في صنعاء وكان يزهو بابنه ونفسه و هو يتحدث عنه بفخر ، ناداه الشيخ : ناهي ناهي ، صلح البوري قد نفسي خارمة لبوري مداعة..

أبو صياد : أنا مش فارغ ذلحين ، خليني أروح معي مشوار..

الشيخ : اهه اهه اهه.. ايش ايش..عشنا وشفنا و يضرب كف على كف..

ليلاً يذهب الشيخ إلى أبي هاشم و يخبره الخبر..

أبوهاشم : خلاص فلت من أيدينا ، ما ذلحين كل واحد يخدم نفسه..

الشيخ : و كيف؟

أبوهاشم : ما معنا الا ان نسرح عيالنا يغتربوا و يعملوا لنا مثل ما عمل صيّاد مع والده ، ما احناش أقل منه..

يبدء الآباء و الأبناء رحلة البحث عن طريقة للسفر إلى أمريكا ، و يجدوا أحد المغتربين في أمريكا من أبناء القرى المجاورة ، مات اثنين من أولاده بنفس اعمارهما ، و وافق على ادخالهم إلى أمريكا على أنهم أولاده و ذلك مقابل مبلغ مالي..

سافر عزي و هاشم وحطت بهم رحالهم في مدينة نيويورك ، وعملا بجهد و كافحا حتى اثمرت جهودهم بتوفير رأس مال جيد ، ثم قاما بفتح مشاريعهما الخاصة ، فتح كل واحد محل و لكنها بجانب بعض.. تمر الأيام فيعلم بهما صياد ، يذهب لزيارتهما ، وصل إليهما يرتدي بدلة فخمة و ربطة عنق أنيقة ، آثار الراحة والغنى تتبدى على وجهه.. استقبلاه بحفاوة و ترحاب ، استقبله عزي في محل بيع اللحم خاصته ، ثم استقبله هاشم في بقالته التي يبيع فيها الخمر..

يضحك حينها صيّاد و ويقهقه ثم يقول : لقد وجدت نفسي حيث فقدتم أنفسكم و أخرجت منكم الأيام نفختكم الكذابة ، فلم يعد عيباً عندكم أن يصبح القبيلي جزار و الهاشمي خمار...