وحدة اليمن من منظور المصالح وليس الأيدلوجيا أو الشعارات

يمن دايز - رأي اليوم

 لا أحد يفهم حتى الآن كيف يطرح البعض قضية انفصال جنوب اليمن عن شماله من جديد، وكأن الانفصال والتمزق هو قدر اليمنيين، ان لم يكن قدر العرب جميعا. وللأسف تقف وراء مثل هذه الاجندة دول مجاورة يقلقها بقاء اليمن موحدا. غير ان بعض اليمنيين ممن تبنوا هذه الاجندة أخذوا يسوقونها بأقمشة محلية وحجج واهية. ومن كل الحجج التي يجادل بها البعض، لم نسمع سوى ان هناك اختلاف في التركيبة القبلية بين جنوب اليمن وشماله، أو ان هناك اختلاف في بعض العادات بين منطقة وأخرى، وكأن هذا الاختلاف، أو بالأحرى التنوع، خصوصية يمنية وغير موجود في كل المجتمعات. وهناك من قام بتعداد أخطاء نظام الرئيس على عبدالله صالح في التعامل مع الوحدة. ولجأ البعض الى طرح ان مصلحة الجنوب تكمن في الانفصال، كون الجنوب لديه ثروة بترولية وقليل من السكان اعتمادا على المثال الخليجي حيث العدد القليل من السكان والثروة الكبيرة وراء المستوى المعيشي المرتفع. ووصل الامر بالبعض الى اصدار فتاوى تجيز الانفصال، بحجة ان ضرر الوحدة أكبر من نفعها.

ما يعجز عن فهمة هؤلاء هو الفوائد الحقيقية التي تجنيها الشعوب من الحفاظ على وحدتها، والتي تترجم دائما الى مصادر للقوة والثروة والنفوذ. فأي بلد ضعيف لابد ان يكون بحاجة الى حامي أجنبي يحميه. لقد أدركت أوروبا ذلك في وقت مبكر مع بداية ظهور فكرة الدولة القومية. بيد ان الدافع لذلك في أوروبا لم يكن الفهم القاصر للدولة القومية كمفهوم ايديولوجي ديماغوجي كتجارب بعض الدول العربية، وانما كان الدافع لذلك ينطلق من مفهوم نفعي وطموح اقتصادي ورأسمالي كبير. ولذلك كرس البرجوازيون الأوروبيون كل جهودهم لتوحيد الامارات الألمانية أو الإيطالية وأطاحوا بنظام الدويلات الصغيرة لصالح بناء أسواق كبيرة وتكامل في مصادر الخامات اللازمة للتصنيع، بما فيها المنتجات الزراعية. وفي حين ان التجار والصنائعيين كانوا في طليعة المشروع التوحيدي، فان الطبقة الوسطي كانت الحامية لهذا المشروع والمستفيدة منه. وقد تطور هذا المشروع عند الأوروبيين الى اتحاد أوروبي يتجاوز القوميات واللغات والهويات، ويأخذ في الاعتبار فقط تكامل الأسواق والبنى التحتية والازدهار الاقتصادي.

وعادة ما تستفيد الكيانات الكبيرة من ديناميكية خاصة تسمح لها بحماية نفسها. ولعل التكامل والاندماج السكاني هو الذي يسمح ببناء جيوش وطنية قوية، وحتى في حالة ندرة الموارد والمصادر الاقتصادية المتاحة للمجتمع، فان ديناميكية الكيانات الكبيرة تسمح بظهور قيادات وطنية تضع على رأس أولوياتها مشروع تعليم وطني يتحول مع الوقت الى قدرات ومهارات مهنية للسكان. وهذه القدرات والمهارات هي ما يعرف الآن بـ “الثروة البشرية”. وليس اليابان وحدها المثال على النجاح رغم ندرة الموارد، بل نشهد مثل هذه الظاهرة في جميع الدول التي حافظت على وحدتها، من ماليزيا الى البرازيل الى اندونيسيا الى تركيا وغيرها.

الوحدة اليمنية اذن ليست هدفا في حد ذاته، في غياب مشروع وطني شامل يترجم بوضوح مصالح كل فئة من فئات المجتمع. فمن مصلحة الرأسمالية الوطنية اليمنية مثلا ان تستفيد ليس فقط من اتساع الأسواق على طول وعرض الجمهورية اليمنية، ولكن أيضا من الأيدي العاملة التي يوفرها الحجم السكاني الكبير، ومن تكامل الهياكل الاقتصادية والإنتاجية، وتكامل الموارد والمصادر، وتكامل البنى التحتية والقوانين والتشريعات التي تسهل النشاط التجاري، وفي الوقت ذاته توفر مساحة استهلاكية ضخمة في ظل الحجم السكاني الكبير.
ونفس المنطق يجري على الطبقة الوسطي، التي ينضوي تحتها غالبية اليمنيين. وبالنسبة لهذه الطبقة تظل الوحدة اليمنية مشروعها الطموح للمستقبل، ولا يمكن تصور مشروع وطني من دون ان تكون الطبقة الوسطي رائدة فيه. فالوحدة اليمنية عنصر أساسي في تلبية احتياجات الطبقة الوسطى من التعليم والوظائف وفرص الصعود في السلم الاجتماعي وتكوين الثروة وتحقيق مستوى معيشي متميز. فالعامل والفلاح والتاجر والمدرس والحرفي والجندي والضابط والطالب جميعهم يدركون انه من دون تكامل للموارد بين الشمال والجنوب لا يمكن أيجاد مساحة كافية لتحقيق مثل هذه الطموحات. وجل ما يحتاجه اليمن للنهوض من جديد هو وجود قيادة تاريخية تتبنى مشروع الطبقة الوسطي للانتقال بالتعليم من مستواه المتدني الى مستوى أرقى، من تعليم كمي على تعليم كيفي. اذ لا يمكن إيجاد هياكل دستورية أو قانونية حقيقية من دون توسيع رقعة التعليم في الشمال والجنوب. وبزيادة مساحة التعليم سوف يذوب التكوين القبلي تدريجيا، وتنضج التجارب المؤسسية والديمقراطية والمجتمع المدني.

بمعنى آخر، ان أي توازن داخل المجتمع في شمال اليمن وجنوبه، بحاجة الى استثمار طويل وكثيف في التعليم. وبدلا من الحديث عن الانفصال الذي سيعيدنا الى المربع الأول من النزاعات والصراعات، يمكننا ان ننطلق بالتفكير نحو المستقبل لنرى ما يمكن ان يقدمه لنا الاستثمار في التعليم من اندماج مع العصر الذي نعيش فيه، عصر التكنولوجيا والفكر المتجدد والمخترعات المتجددة. ولا بأس ان يطور اليمنيين تجربتهم الخاصة بالاعتماد على جهودهم الذاتية، وهذا لا يعني طبعا ان يتنازلوا عن مطالبهم بتعويضات عادلة عن التدمير الذي لحق ببلادهم طوال سنوات الحرب. ولطالما تميز اليمنيون طوال تأريخهم بالعمل والكفاح من اجل الحياة، وانشأوا مدن وحضارات سجلها لهم التأريخ. وعندما تتوقف الحرب المجنونة التي نعيشها، سوف نكون جميعا كيمنين على موعد مع فضاء جديد من الحوار والنقاش من اجل تعزيز وحدة اليمن، ومن منطلق المصلحة، والمصلحة وحدها.

*أستاذ جامعي وكاتب مقيم بالولايات المتحدة