الأزمان النبيلة للعشق.. أين ولت ؟!

يمن دايز

الأزمان النبيلة للعشق.. أين ولت، الأزمان الشعرية. 
 

في زمن كازانوفا لم يكن التحرش قضية بتلك الحدة، كانت المجتمعات الأوروبية أكثر تشددا. واحدة من الأعمال الجميلة التي قرأتها كانت عن كازانوفا، أكثر العشاق اغواء، والمتحلل عن أي أخلاق او رادع لبلوغ مخادع النساء. لكن قراءة قصصه التي كتبها أو اخترعها، تجعلنا نغوص في مسراته اللذيذة ونشغف بها.

وكازانوفا برمزيته للعاشق البارع، هو ايضا رمز للعاشق الكذاب، إذ ان هناك تشكيك بوقوع تلك الغراميات من عدمها. مع هذا، كتب مذكراته وربما عاشها في زمن اكثر تشددا إزاء حياة فاسدة يستهويها الحب العابر ولا توقفه حدود أو اعتبارات. كأن أحدهم يقول إن لم أفعلها سيفعلها غيري.

وبعيدا عن اشمئزاز سلوكي عن وقائع مماثلة، فإن كازانوفا يفتننا ببراعته وشعريته، فبلوغ مخدع عاشقة بالنسبة له فن، او هكذا يصوره لنا. قرأت كتاب رائع اعتمد على مذكراته، واعاد وصف وقائعها بمحاكاة جمالية فاتنة.

وتساءلت هل من الممكن أن يعيش شخص في عصرنا تلك الحياة المنحلة بذلك القدر من العذوبة والشعرية.

ففي اوروبا المتشددة ازاء ذلك خلال القرن الثامن عشر، مقارنة بعصرنا هذا الذي أصبح أكثر حرية، حتى في الغرب ودول عديدة حيث لم تعد العذرية أزمة. فهناك قوانين تؤطر الحب ويمكنها إحالته إلى جريمة، أو إتهام. فرغم الحريات التي لا نظير لها تزايدت القيود، ووصلت هذا الحد الذي قتل الشعر.

ولا بد أن مقولة سيوران عن ان الحرية تتلاشى بمجرد تحققها كانت في محلها. لذا الفنون قيدت، ويمكن لحياة فاسدة تحوم حول المخادع السرية، والعلاقات العابرة، ان لا تكون بنفس البراعة الشعرية التي كانت وقتها. مع أن ما تصوره الكتب ليس كما يعاش، والحقيقة أن اللذة بالكتابة تفوق الحدث، وهي ميزة العصر إياه بمسحته العذبة والسخرية، مقارنة بعصرنا الذي تسود فيه التفاهة والادعاءات.

لهذا لم تعد هناك فنون تضاهي فنون ذلك العصر، لا رسما او شعرا أو موسيقى أو حتى رواية. زادت التقنيات وأخفقت الخيالات المتخمة بالبراءة الجامحة. في ذلك الزمن كان التودد بامرأة او التغزل بها ربما يقود، إلى المبارزة، وكم هو الموت بالغ الشعرية مقارنة بفجاجة كما اصبح اليوم يمكن قياسها بالإدانة كجريمة تحرش، تصبح دافعا للنبذ الاجتماعي. وكأن الانسان لا يمكنه أن يصبح قادرا على التعبير عن مكنون مشاعره.

كانت الفتاة، ومازالت، اذا تعرضت لتودد ظريف تطلق ضحكة عفوية او ابتسامة رقيقة. ولا يعني ذلك أنها دعوة لإقامة علاقة، بل الاشياء أكثر بساطة. بينما أصبح على الفتاة ان لا تكون أنثى، بل شكل من البيانات المُحتدة بالغضب والعرائض المصطفة بالتنديد والمناصرة. وهذا النوع ليس مساواة بقدر أن الشغف والهوى أمر يختلف عن ذلك، هو مساواة في إقتسام الهوى بكل أنواعه.

وأتذكر اني في مراهقتي غازلت فتيات دون ان اعرف ان والدهن قريب منهن، فقال لي: انت تستاهل دعس. وفي الحقيقة كنت أستحق ذلك، لكن الأمر أنتهى عند ذلك الحد. وسرت وانا أضحك على فعلي الساذج. وقبل سنوات قالت زميلة لي ضاحكة، تعتبرني صديقا حين اعطيتها كتاب فلسفي، بأن هذا النوع لا يمكن اهداءه لإمرأة، وضحكت أني أخدش أنوثتها. أحب تلك البساطة. اقصد هل يدعونا العالم لفقد عفويتنا، لنكون جزء من مسرح تفاهته وزيفه.

وسأضيف شيء؛ علينا التفريق بين الغزل والإساءة، وبين الهوى والأذى. وأعتقد الحياة جميلة جدا، حتى في وجود تلك الصفاقة المميتة التي نعيش وسطها. ساقول شيء، أن فتاة جميلة للغاية يمكن أن يشوهها اختفاء العفوية. وهذا ما أصبحت عليه الوجوه المنفوخة بالإبر والشفاه التي أصبحت تحاكي البوالين بصورة منفرة. وما أجمل أن تحظى بفم مثل عنقود أو بصورة قلب دون نفخ. وهذا حقيقي، لكني أقصد ان حياتنا تحتاج لمساحة من الشعرية والخطأ، لان خطيئة الحياة المميتة ان تكون دون أخطاء.

المصدر : يمن دايز + صفحة الكاتب فيسبوك

مقالات الكاتب